Thursday, October 29, 2009

القومي السياسي والاسلامي السياسي .. توجهان سياسيان لا يمكن أن يلتقيا


فائز البرازي
توجهان سياسيان ( لايمكن ) أن يلتقيا ، وإن تقاربا وتناسقا أحيانآ . وهنا سيأتي من يقول أن هذا اللايمكن / النفي ، بعيدآ ومعاكسآ لأصول البحث العلمي الموضوعي بوضع النتيجة قبل المقدمات والأسباب ، والتحليل والعرض والإختبار . وسيأتي خاصة من " مدرسة دمشق للمنطق الحيوي " من يقول أن هذا النفي هو : ( منطق الجوهر الفئوي ) . وحتى من ضمن الطرفين من يرفض هذا النفي .. وكلهم قد يكونون محقين فيما إدّعوه وطرحوه
بعد عرض هذه النتيجة أقول : أن القومي السياسي يمثل كتلة مجتمعية تضم : المسلم والمسيحي واليهودي والسرياني .. وكل الإنتماءات الدينية . ويضم اللاديني والملحد – هناك فرق بين اللاديني والملحد - . ويضم مما يطلق عليه الإثنيات / الأقليات ، ضمن فكرة الوطن والمصلحة والمواطنية . اي : هو تعبير مجتمعي لكتلة شعبية تمارس حياتها ونضالاتها وتحدد أسلوب معالجاتها لمشكلاتها السياسية ، بعيدآ عن " الفكر الديني الإنساني " بكل اشكاله ، وتتجنب أي إبعاد للآخر ، أو أية شروط مسبقة غير الشرط الوطني
وأن الإسلامي السياسي هو كتلة مجتمعية " محصورة " فقط بالمؤمن الإسلامي الذي يرغب ويعمل على أن يكون شعار الإسلام هو الحل في " العقيدة " و " المعاملات " و " النهج السياسي " ، هو الأسلوب الأمثل والوحيد في معالجة المشكلات كافة : إجتماعية ، إقتصادية ، سياسية ، قانونية ، ثقافية . وبه وبواسطته تتحدد معالم الدولة والمجتمع . ويسكت عما يجول في خفايا تفكيره لنتائج هذا الطرح من : إعتماد لمبدأ سيطرة وهيمنة الأكثرية على الأقلية المجتمعية – ديكتاتورية الأكثرية - ، وأنه الحاكم والمقرر – مستفردآ – لمسار المجتمع والدولة ، وبشروطه " الفقهية الإختيارية " التي إختارها عما سواها . أي : ( أنه القائد للمجتمع والدولة ) ، وضمن مبدأ وتوجه الإستعلاء
القومي السياسي يتطلع إلى بناء أكبر كتلة مجتمعية متجانسة ومترابطة
الإسلامي السياسي يتطلع إلى ذاته " كنخبة خاصة " على الآخرين اللحاق بها والإلتزام والخضوع لما تراه وتقرره ، فتكون النتيجة : تقليص وحصر وتنميط لكتلة مجتمعية ، وعزلها عن كتلتها الأكبر
مشروعان سياسيان متواجهان
وإن كان المشروع الأول – القومي السياسي – مفتوحآ لإنضمام توجهات فكرية وايديولوجية إليه من : يسارية ، ليبرالية ، إثنيات ، طوائف .. بإعتباره لايهتم بالعرق والدم والثقافة ، إلا بكونها جزء من مكون حضاري جيوسياسي . فإن المشروع الثاني – الإسلامي السياسي – منغلق تمامآ أمام ذلك ، بكون الإعتبار الأول والأخير لهذا الإنضمام يتعلق بالدين حصرآوبالفقه الديني ، وبكونه المحدد الأساسي لدرجات المواطنة
وعلى سبيل المثال المتجسد ، فإن الإخوان المسلمين / الإسلام السياسي ، ابقى أمورآ كثيرة تتعلق بالواقع ومعالجته وإتخاذ موقف منه بعيدآ عن الشعار / العموم ، في طي المسكوت عنه . ليعيش ُمظهرآ لمن يريد تحولآ ديمقراطيآ وتعددآ للسلطات ورقابة على الأجهزة التنفيذية ، أنه من مؤيدي تلك الطروحات . وفي ذات الوقت يعيش ويؤمن " باطنآ " ، ويحلم ( بدولة كليانية ) تطال أدوارها كل قطاعات المجتمع ، من : ضبط حركة السوق ، وحتى توجيه الفن والموسيقى ، وما بينهما من مراتب للمواطنية المجتمعية والتحكم بأمور معاشها وحياتها
وعندما " إضطر " مدفوعآ بضرورة ولوج السياسة ، وتقنين تلك العموميات ، والإجابة عن الكيفية التي يعتزم بها ترجمة ذلك إلى سياسات وتشريعات على أرض الواقع .. إضطر إلى طرح مسودة ( البرنامج السياسي ) الذي أثار وفتح الباب على مصراعيه لخلافات كبيرة ، بينه وبين القوى السياسية المجتمعية الأخرى ، وبينه وبين بعضه البعض داخليآ
لقد ولدت وأبانت ( مسودة البرنامج السياسي ) للإخوان المسلمين في مصر ، شعورآ ورؤى مع وضوح فقراته ، مؤداها أن " الجماعة " تريد إختزال التراث التشريعي والقانوني الطويل للحضارة الإسلامية ، " بتأويلات " ضيقة تفرض صورة ملزمة إقصائية
ومن بعض أهم الأفكار الرئيسية التي طرحتها مسودة البرنامج ، والمثيرة جدلآ وإنقسامآ " داخل الحركة " ، عدا عن رفضها من الآخر
القوى السياسية والمجتمعية

الدعوة لتأسيس هيئة لعلماء الدين
تحاول " الجماعة " حتى الآن ، لإيجاد مساحة مقبولة لدور الدين في الحياة العامة . فخرجت الان كبداية " مختصرة مبتسرة " بإقتراح إستحداث " هيئة منتخبة من علماء الدين " وظيفتها
تقديم الرأي الملزم للسلطة التشريعية والتنفيذية ، فيما يتعلق بأحكام الشريعة التي يجب أن تستقر عليها الأمور
ولقد صدم هذا " الإقتراح " بعض قيادات الجماعة ، الذين دافعوا مرارآ عن حتمية الإرتكان إلى دور " المحكمة الدستورية العليا
فإقتراح الهيئة : يحدد آلية واضحة لضمان الإلتزام بالشريعة ، خارج السلطة التشريعية والتنفيذية ، بل خارج سياقات المؤسسة الدينية – الأزهر و دار الإفتاء
وتدافع القيادات الإخوانية التي رفضت هذا الإقتراح ، بكونه ينتصر " لتأويلات إختزالية " لقضية تطبيق الشريعة ، ولا يعبر عن إجماع إخواني مستقر
أما عن التداعيات السلبية على نظرة الرأي العام للجماعة فكثيرة ، وفتحت الأبواب لتأكيد إتهام الإخوان بالسعي لتأسيس " دولة ثيوقراطية " وبالإنقلاب على مبدأ " مدنية الدولة والسياسة
نزع الأهلية عن : غير المسلمين و المرأة ، لتولي المناصب العليا
كان الوضوح والتحديد في " مشروع البرنامج السياسي " في السياق الثاني ، بالغ الأهمية . وهو نزع أهلية تولي المناصب العليا في الدولة ، عن غير المسلمين والنساء
وهنا أسست المسودة للتعامل " الإقصائي " بالإستناد إلى مقولات كلاسيكية بالتراث الإسلامي حول شروط أهلية الحاكم ، وتبعيته للإنتماء الإسلامي ، وهويته الذكورية
وفي حين رأى البعض من قيادات الإخوان بهذا الموقف إتساقآ مع القطعي من أحكام الشريعة
رفضه فريق قيادي إخواني آخر ، وشددوا على تناقض الإقصاء ، مع مبدأ المواطنة المدنية . وأفاضوا في شرح رؤيتهم معتمدين على : التميز بين المقولات الكلاسيكية لصيغ وقضايا في الولاية الكبرى ومؤسسة الدولة التي لم تستقر .. وبين زمانية القرن الحادي والعشرين والدولة الحديثة وإستقرارها الدستوري وتبلور مؤسساتها العامة . وقد عبر / المرشد العام / للإخوان المسلمين عن ذلك " الخيار الفقهي " الملزم : للإخوان المسلمين ، فقال
هناك نقطتان – الأقباط والمرأة – الإخوان أخذوا فيهما قرارآ ، وهما ليسا من عندنا .. هناك في الشرع والدين أناس فقهاء يقولون الدولة الإسلامية لايكون على رأسها إلا مسلم ، ولا يجوز لدولة أن يكون على رأسها إمرأة . وهذا رأي فقهي ، و " هناك آراء فقهية أخرى غير ذلك
أي : أن هذا " الرأي الفقهي بعينه " هو الذي تبناه الإخوان ، ولم يتبنوا آراء فقهية أخرى !!! مع سعي المؤيدين والمعارضين إلى " إستصدار فتاوى " من رجال الدين تدعم مواقفهم
حول الدعوي و الحزبي
تبلورت بعض المبادرات الدافعة بإتجاه السعي نحو تشكيل " حزب " يدير النشاط السياسي للإخوان كآلية رئيسية لتنظيم مشاركة الجماعة في الحياة السياسية الرسمية . لكن عوامل متعددة خلافية داخل الحركة بين قياداتها ، حالت دون بلورة نهائية وحقيقية نحو تأسيس حزب سياسي
فغاب التوافق بين القيادات حول : جوهر وشكل العلاقة المبتغاة بين " الجماعة " و " الحزب " . والخوف من العواقب المترتبة على فصل محتمل بين " الدعوة " وبين " النشاط السياسي " . وكذلك التوجس من رد فعل النظام الحاكم لإنشاء مثل هذا الحزب
وأخيرآ .. فإن هذا التناقض الرئيس .. في الفكر والتوجه والممارسة ، يخلق فجوة أكاد لا أرى سبيلآ لردمها إلا من خلال تغير التوجه الفكري والسياسي والثقافي ، حول " تناول السياسة العامة " لأحد هذين المشروعين : القومي والإسلامي السياسيين . وتبقى جميع الأمور الأخرى وإستنساخاتها ، ماهي إلا تحصيل حاصل لهذا التناقض والإختلاف الرئيسي
وبالتالي أكاد أجزم بلا جدوى محاولات الإلتقاء . وأن من توجهات العلوم السياسية في مثل هذه الحالات ، محاولة التقارب والتنسيق حول أهداف لاتمس هذا التناقض الرئيس ، وضمن قناعات وتعهدات كلا الطرفين بأن لاينقلب هذا التناقض إلى صراع ولا إلى صدام يحيق ويوقع السوء بالمجتمع والدولة

No comments: